ابن عجيبة
80
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه ، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن أطاعه وأقبل عليه ، وهو وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها ، أو لمن أصرّ ورجع ، ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وقد بلّغ ، فلم يبق عذر لأحد ، وهو تشديد في إيجاب القيام بما أمر ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة . الإشارة : كما جعل اللّه الكعبة قياما للناس ، يقوم به أمر دينهم ودنياهم ، جعل القلوب ، التي هي كعبة الأنوار والأسرار ، قياما للسائرين ، يقوم بها أمر توحيدهم ويقينهم ، أو أمر سيرهم ووصولهم . وفي الحديث : « إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسددت فسد الجسد كلّه ؛ ألا وهي القلب » . وكما جعل الشهر الحرام والهدى والقلائد حرمة لأهلها ، جعل النسبة والتزيي بها حفظا لصاحبها ، من تزيا بزى قوم فهو منهم ، يجب احترامه وتعظيمه لأجل النسبة ، فإن كان كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، وقد أخذ اللصوص بعض الفقراء ، وانتهكوا حرمته ، وأخذوا ثيابه ، فاشتكى لشيخه فقال له : هل كانت عليك مرقعتك ؟ قال : لا ، فقال له : أنت فرطت ؛ والمفرط أولى بالخسارة . ه . واللّه تعالى أعلم . ولمّا كان مدار الأمر كله على صلاح القلوب وفسادها ذكره بإثره ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 100 ] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ عند اللّه ، في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص ، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب ، والرديء مردود ممقوت ، فالطيب مقبول وإن قلّ ، والرديء مردود ولو جلّ ، وهو معنى قوله : وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ، فالعبرة بالجودة والرداءة ، دون القلة والكثرة ، وقد جرت عادته - تعالى - بكثرة الخبيث من كل شئ ، وقلة الطيب من كل شئ ، قال تعالى : وَقَلِيلٌ ما هُمْ « 1 » ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 2 » ، وفي الحديث الصحيح : « النّاس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة » « 3 » ، وقال الشاعر : إنّى لأفتح عيني حين أفتحها * على كثير ولكن لا أرى أحدا فأهل الصفا قليل في كل زمان ، ولذلك خاطبهم بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أي : القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر ، وأخذ الطيب وإن قلّ ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بصلاح الدارين .
--> ( 1 ) من الآية 24 من سورة ص . ( 2 ) من الآية 13 من سورة سبأ . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق باب رفع الأمانة ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : الناس كإبل مائة . . ) من حديث ابن عمر رضى اللّه عنه ومعنى الحديث : أن الزاهد في الدنيا ، الكامل في الزهد فيها قليل جدا ، كقلة الراحلة في الإبل .